سيد محمد طنطاوي

106

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والظرف * ( إِذْ ) * معمول لمحذوف تقديره اذكر ، أي اذكر وقت أن قالت الملائكة لمريم ، يا مريم إن اللَّه يبشرك بكلمة منه . وقوله يبشرك * ( بِكَلِمَةٍ مِنْه ) * أي يبشرك بمولود يحصل بكلمة منه - سبحانه - وسمى هذا المولود كلمة لأنه وجد بكلمة كن فهو من باب إطلاق السبب على المسبب . والمراد أنه وجد من غير واسطة أب ، لأن غيره وإن وجد بتلك الكلمة لكنه بواسطة أب ، أي أنه - سبحانه - إذا كان قد خلق الناس بطريق التناسل عن ذكر وأنثى وأخرج الأولاد من أصلاب الآباء ، فإن عيسى - عليه السّلام - لم يكن كذلك ، بل خلقه اللَّه - تعالى - خلقا آخر ، خلقه * ( بِكَلِمَةٍ مِنْه ) * وهي « كن » فكان كما أراده اللَّه و « من » في قوله « منه » لابتداء الغاية والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لكلمة : أي بكلمة كائنة منه . فالمراد بقوله « كلمة » أي يبشر بولد حي يسرى عليه حكم الأحياء اسمه المسيح عيسى ابن مريم وعلى هذا التأويل سار كثير من المفسرين . ورجح ابن جرير أن معنى * ( بِكَلِمَةٍ مِنْه ) * ببشرى منه - سبحانه - فقد قال : وقوله « بكلمة منه » يعنى برسالة من اللَّه وخير من عنده وهو من قول القائل : ألقى إلى فلان كلمة سرني بها بمعنى أخبرني خبرا فرحت به . . فتأويل الكلام : وما كنت يا محمد عند القوم إذ قالت الملائكة لمريم إن اللَّه يبشرك ببشرى من عنده ، هي ولدك اسمه المسيح عيسى ابن مريم » « 1 » . وعلى كلا التأويلين ففي التعبير عن عيسى - عليه السّلام - بأنه كلمة من اللَّه تكريم له وتشريف ، وقوله * ( اسْمُه الْمَسِيحُ ) * مبتدأ وخبر ، والجملة نعت . والضمير في قوله * ( اسْمُه ) * يعود إلى كلمة . وجاء مذكرا رعاية للمعنى لأننا سبق بينا أن المراد بها عند كثير من المفسرين الولد . والمسيح : لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق ، وأصله مشيحا بالعبرانية ومعناه المبارك . وقد حكى اللَّه - تعالى - أنه قال عن نفسه إِنِّي عَبْدُ اللَّه آتانِيَ الْكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا . وجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وأَوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وقيل المسيح فعيل بمعنى فاعل ، للمبالغة في مسحه الأرض بالسياحة للعبادة : أو مسحه ذا العاهة ليبرأ . أو بمعنى مفعول أي ممسوح لأن اللَّه مسحه بالطهر من الذنوب . وعيسى : اسم لهذا الاسم الكريم ، وهو اسم ينبئ عن البياض والصفاء والنقاء . قال الراغب : عيسى اسم علم ، وإذا جعل عربيا أمكن أن يكون من قولهم بعيرا عيسى

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 3 ص 269 .